الحكيم الترمذي

146

كيفية السلوك إلى رب العالمين

ذكر علّة التسبيح فأمّا علّة التسبيح ، فأمر بأن يقول : سبحان ربي الأعلى إلا أن كل مطاع في اللغة يسمى ربّا ، وإنما أطاع هواه من قبل فينزه ربه الأعلى ، والرب المالك . وكان هواه قد ملكه فإذا سجد سبّح ربه الأعلى ، ونزّهه عما كان يدعو إليه هواه الذي يدعي به الربوبية لنفسه ويسأله أن يطيعه في كل ما يدعو إليه وملكه وأوله قلبه : وهو في قوله - تعالى - : أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [ الفرقان : 43 ] . فكأنه يقول : سبحان ربي الملك الأعلى : أي له التنزه عن طاعتي لهذه النفس التي ملكتني واستزلّتني عن طاعة مالكي الأعلى . فالركوع للجفوة والسجود للهفوة ، وإنما أمر بسجدتين ؛ لأن الذنب يلزمه من وجهين إضاعة أمر فرض عليه ففرّطه ، وتهاونا وارتكاب نهى زجر عنه فحملته شهوته حتى ركبه تهاونا للعقوبة ، فلما رأى الذنب من وجهين أمر بسجدتين . ذكر علّة القعود وأمّا علة القعود ، فللارتعاب وطلب العفو والنوال ، وذلك أنك قضيت صلاتك بما مضى منك من القيام وبذل النفس تسليما والخضوع والخشوع ، فإنما بقي سؤال الحاجة والاعتذار . فقيل له : تمثل جاثيا كهيئة الملقي نفسه بين يدي سيده ومولاه على الارتعاب والاعتذار ، والاستعداء على النفس الأمّارة بالسوء بمنزلة غريم لك ضمنت له عن آخر دينا ، وأنت به كفيل فأنت مطلوب بتلك الكفالة ، وهذا المكفول عنه مطلوب ، فأنت تستعدي عليه حتى تستخرج حق الغريم من هذا الغارم الذي ضمنت عنه . والقلب شريك النفس في الخير والشر والثواب والعقاب والمحمدة واللائمة ثم النفس من شأنها الإباق وتضييع العبودية ، وحقوق اللّه - تبارك وتعالى - في رقبتها والقلب مطلوب بذلك إذا كان شريكها والعقل مقتض فإذا لم يجد شكا إلى اللّه - سبحانه - فأمر بأن يقعد عند اقتضاء الصلاة مستعديا على النفس معتذرا إلى اللّه - تعالى - مما كان منهما ، مرتعبا في النوال .